الآن، يواجه كثيرون في غزة نهاية بطيئة وصامتة: إنهم يموتون من الجوع.
إنها كارثة لا تستطيع المستشفيات القليلة المتبقية في غزة التعامل معها. يقول الدكتور أحمد الفرا، رئيس قسم الأطفال في مستشفى ناصر جنوب غزة:
“لا يوجد شخص في غزة اليوم خارج نطاق المجاعة، حتى أنا. أتحدث إليكم كمسؤول صحي، لكنني أبحث أيضًا عن الطحين لإطعام أسرتي.”
في ظل اقتراب المجاعة الكبرى، بدأ النظام الاجتماعي في غزة بالانهيار. الفوضى تعم المناطق القليلة التي يتم فيها توزيع المساعدات، والنهب أصبح أمرًا شائعًا. وتكررت حوادث إطلاق النار من قبل القوات الإسرائيلية على المدنيين الذين ينتظرون المساعدات الغذائية. الأمم المتحدة تؤكد مقتل أكثر من 1,000 شخص أثناء محاولتهم الحصول على الطعام منذ شهر مايو.
بعد 21 شهرًا من الحرب المدمرة، بات من الصعب التمييز بين ما هو تغير حقيقي وما هو مجرد استمرار للمأساة. لكن مراسلي صحيفة نيويورك تايمز يوضحون الأمر بجلاء: غزة تغرق في الفوضى، ولا يبدو أن هذه الكارثة ستنتهي قريبًا، خاصة بعد إعلان إسرائيل والولايات المتحدة انسحابهما من مفاوضات وقف إطلاق النار مع حماس.
أزمة مستمرة وليست جديدة
الجوع في غزة ليس ظاهرة جديدة.
الحصار الإسرائيلي — الذي يسيطر على ما يُسمح بدخوله إلى القطاع — تسبب في توترات مستمرة منذ قرابة 20 عامًا. وخلال الحرب، اتهمت منظمات الإغاثة الدولية إسرائيل بمنع دخول كميات كافية من الطعام. إسرائيل، بدورها، تزعم أن حماس تسرق المساعدات لصالحها، وأن المنظمات لا تدير التوزيع بشكل صحيح.
لكن “نيويورك تايمز” لم تتمكن من التحقق من صحة هذه الادعاءات، خاصة أن إسرائيل لا تسمح للصحفيين الأجانب بالدخول إلى غزة دون مرافقة، والصحفيون داخل القطاع يعانون هم أنفسهم من ندرة الطعام. رغم ذلك، تحدث العديد من سكان غزة مؤخرًا عن خطر الموت جوعًا.

في أحد المخيمات، كانت امرأة تضع بعض الطعام في وعاء على الأرض بينما يراقب طفل جائع المشهد. إنها أم لستة أطفال، اثنان منهم يعانيان من الشلل الدماغي وسوء تغذية حاد.
برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة وصف الوضع في غزة هذا الأسبوع بأنه “مستوى مذهل من اليأس”، وأكد أن ثلث السكان لا يأكلون لأيام متتالية.
لماذا تفاقمت المجاعة؟
رغم الحرب، إلا أن الأزمة الغذائية أصبحت أسوأ بسبب عدة عوامل:
- الحصار: خلال فصل الربيع، منعت إسرائيل دخول المواد الغذائية والوقود والإمدادات الطبية، بزعم الضغط على حماس للإفراج عن الرهائن. لكن ذلك لم يحدث، وانتشرت المجاعة. حلفاء إسرائيل، مثل بريطانيا وفرنسا وكندا، أدانوا هذا الحصار، حتى البابا دعا إلى زيادة المساعدات.
- توزيع المساعدات: عندما سمحت إسرائيل بدخول المساعدات، فرضت شروطًا جديدة، وأوكلت مهمة التوزيع لمقاولين خاصين — معظمهم أمريكيون. العملية كانت فوضوية، إذ اضطر الناس للسير لساعات في الظلام، وتقاتلوا على الطعام. وفي وسط الفوضى، أطلق الجنود الإسرائيليون النار مرارًا على من ينتظرون المساعدات.
رأيي كمسلم عربي
في ظل هذه المأساة، لا يمكنني إلا أن أعبّر عن رأيي بوضوح: حياة الإنسان هي الأهم، فهي أغلى من الأرض ومن أي شعارات. بدون حياة، لا يوجد مسلم في غزة ليصلي أو يعبد الله.
أرى أن الفلسطينيين محاصرون داخل هذا الجحيم، وربما كثير منهم يريدون الخروج، وليس من الغرور أن يتمسك بعضهم بالأرض — بل هي مشاعر مختلطة بين الكرامة، والخوف، والواقع المفروض.
لكن دعونا نكون واقعيين: من يرى الجثث من حوله، الأطفال يموتون جوعًا، ولا يزال يقول “سأبقى مهما كان”، فهو إما يعيش إنكارًا أو لا يملك الخيار.
أنا واثق أن كثيرًا من العائلات في غزة تتمنى فقط حياة كريمة لأطفالها — طعام، أمان، مدرسة، مستقبل.
هنا يأتي دور الدول العربية والإسلامية، وخصوصًا الدول المجاورة مثل مصر، الأردن، وسوريا. يجب أن تُفتح الحدود لإنقاذ الأرواح. ما العيب في أن يعيش الفلسطيني في أرض أخرى حتى تمر العاصفة؟
الهجرة المؤقتة ليست خيانة ولا تخليًا، بل هي وسيلة للنجاة. وكما أن الإسلام لا يربط كرامتنا بالأرض، بل بعبادتنا لله، فإن الحفاظ على النفس أولى.
نحن خلقنا لعبادة الله وحده لاشريك له، لا لنموت دفاعًا عن علم أو حدود وضعها البشر.
لقد رأينا دعمًا حقيقيًا في الماضي من دول الخليج مثل السعودية والكويت، خاصة بعد نكبة 1948 — وهذا دليل على أن الأمة تستطيع أن تتحرك متى أرادت.
رسالتي: لا تجعلوا غزة سجنًا جماعيًا. افتحوا الأبواب أمام من يريد الحياة، فالكرامة لا تُقاس بالبقاء بين الأنقاض، بل بالقدرة على النجاة والعبادة.